التحديث الأخير :09:54:05 ص

الصفحة الحالية : جماعات ودواوير المرأة التاوناتية

مواقف وآراء

روح الراحل "عبد الله باها" تفوح ورعا وأخلاقا بين روابي تاونات وعلى أعالي قمم الريف

عبد الله عزوزي ـ تاونات نيوزـ روح الراحل "عبد الله باها" تفوح ورعا وأخلاقا بين روابي تاونات وعلى أعالي قمم الريف
بقلم عبد الله عزوزي
في مثل هذا اليوم من الأسبوع الماضي شاءت الأقدار أن تخرج رجلا فذا من منطقة الظل و الصمت إلى منطقة الأضواء و العلن. رحيل باها المفاجئ و على النحو الذي قرر فيه القدر ترحيله،كان بمثابة زلزال هز الأرض من تحت الجميع، دقيقة بدقيقة، و ساعة بساعة، إلى أن جاءت ساعة تشييع الفقيد إلى مستقر رحمة ربه يوم الثلاثاء 09 دجنبر 2014 // 16 صفر 1436، بمقبرة الشهداء بالرباط. جنازة الرجل قالت كل شيئ، ولم تترك لأي أحد أن يضيف  شيئا عن تفرد و استثنائية عبد الله باها. فعلا يجمع المقربون من المرحوم أنه كان مدرسة شاملة كاملة، مدرسة في الفقه و الفكر و التواصل و الوزن والتمييز و المقاصد. لكن القلة القليلة هي  التي  حضيت بشرف الإغتراف من حكم و نواذر المنظر الحكيم عبد الله باها، تلك القلة هم مناضلون و مناضلات جمعهم به، على مر العشريتين الماضيتين أو يزيد ، الحلم بمغرب العدالة الإجتماعية و القيم الإنسانية التي تمجد كرامة الإنسان وتشيع ثقافة  الإحترام المتبادل و الأمن و الثقة وحسن المعاملة بين الناس ،و تدبير الوطن كفضاء مشترك بين جميع المواطنين و المواطنات، والتطلع إلى وطن عربي كبير موحد و متآخي، قوي في محيطه و مساهم في الحضارة الإنسانية و الكونية المعاصرة.
كان اللقاء الذي نظمته الكتابة المحلية لحزب العدالة و التنمية بتاونات صباح اليوم  ،و الذي أطره المهندس و الإعلامي علي العسري، فرصة للوقوف على بعض كنوز و حكم فقيد الوطن المرحوم باها، سأجملها في ثلاثة مشاهد  تجنبا للإطالة و تخفيفا على القراء:
•    المشهد الأول: في هذا المشهد نتعلم من المرحوم عبد الله باها كيف نهزم إغراءات الدنيا و لا نستكين لهواها أو نسفك دما من أجل زينتها. ذات مرة خرج المرحوم  من مقر البرلمان بالرباط، قبيل الساعة التاسعة ليلا، و كان الوقت بداية الصيف، وإذا به يقف مشدوها بالعدد الكبير جدا من المواطنين الذين كانوا يتجولون في شارع محمد الخامس و يستجمون بالنسائم العليلة للمحيط، فكان أن تبادر إلى ذهنه أن هذا الجمع من الناس لم يكن أحدا فيهم مولودا قبل مائة عام على أبعد تقدير، ولن يكونوا كذلك على قيد الحياة بعد قرن من الزمن

بما فيهم ما تحمله الحوامل منهم في أرحامهن ! هذه الخاطرة العابرة ذكرت متأملها بأن البشرية تتجدد بالكامل على رأس كل مائة عام، و أننا حلقة لا محالة ماضية من حلقات السلسلة البشرية، و بالتالي لا داعي لبيع الحياة العليا بعرض من الحياة الدنيا.
•    المشهد الثاني: في إطار صراع قيم الخير و الشر، انتهى المطاف بأحد المناضلين بالحجز  وراء قضبان السجن؛ فكان أن رزقت زوجته بمولود شهورا بعد ذلك، فاتصل أحد رفاقه بالمرحوم باها يخبره بهذا الحدث دون أن يطلب- أو يتوقع -  منه شيئا؛ فكانت المفاجأة أن حل يوم العقيقة وهو يحمل كبشا، و هدايا عديدة للمولود الشبه يتيم و لأمه ، فضلا عن فرقة للأناشيد تكريما له ولأسرته. هنا نعرف لماذا توفي المرحوم وليس في رصيده بيتا مملوكا ، علما أنه كان أستاذا جامعيا بالمعهد العالي للزراعة و البيطرة بالرباط ، و نائبا برلمانيا لأزيد من عشر سنوات، و وزير دولة منذ يناير 2012 ، لا شك أنه كان يعلم أن قصور الآخرة أجل و أدوم من مساكن الدنيا الفاخرة، وجديرة بضخ كل هذه الإستثمارات الدنيوية !
•    المشهد الثالث : في معرض حديثه ذات يوم عن إشكاليات الفساد و طرق مجابهته ، ذكر المرحوم باها قصة للحضور قال فيها بأن نفرا من الفئران تضايقوا من الهجمات المتكررة لقط كان يفتك فيها بكبيرهم قبل صغيرهم،فلما اجتمعوا و شكلوا خلية أزمة للنظر في كيفية التصدي لهذا العدو المشترك،وقع نظرهم على مقترح أحدهم قال فيه بأن الحل يكمن في توفير جرس و ربط آخره بعنق القط، حتى إذا ما تحرك، تحرك الجرس معه، فكان ذلك بمثابة منبه لهم بقدوم عدوهم. صفق الجميع للفكرة، إلا أن "حكيما " منهم صاح قائلا بعد برهة تفكير :" لكن، من منا سيجرأ على وضع الخيط بعنق "الأسد" ؟؟ ! فعلا ذلك هو التحدي الحقيقي، ولا يمكن تسجيل أي اختراق في منظومة الفساد بدون تضحيات من حجم التقدم بكل عزم و ثقة في اتجاه أنياب الأسود.
هذه وقفات و مواقف لرجل وصف بأرقى الصفات و المناقب، لعل أعظمها وقعا علي هي كونه كان  "يطيل في الصمت، و يوجز في الكلام ". فعلا تلك شيمة من شيم القادة الذين يعيشون و النهاية في أذهانهم، يمعنون  في الإنصات من أجل فهم،أو على الأقل محاولة، فهم الآخرين، قبل أن يطالبوا الأخرين بفهمهم.
فأسكنك الله فسيح جناته يا حكيم جيله، يامن عشت كنزا ومدرسة  داخل حدود ، و جاء القدر ليجعل منك مدرسة خارج حدود الجغرافيا و الزمن.
تاونات، 21 صفر 1436، الموافق ل 14 دجنبر 2014.

بَعْضُ بَوْحٍ في حق الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

حفيظ  زرزان ـ تاونات نيوز ـ أجدني ملزما بالكتابة عن الامام عبد السلام ياسين رحمه لأسباب كثيرة لا يسع التفصيل فيها لعل أهمها الحصار الاعلامي الرسمي الذي لازال ممارسا على الرجل وطنيا وعربيا ، ثم لسابق فضل الرجل على "طفل" رضيع جاء الى الدنيا تائها تافها غارقا في عالم مجهول مظلم تملأه المتعة واللذة والاستهلاك والمصالح واستغلال الانسان لأخيه الانسان  ، فأخذ بيده وقال له تعال ، لتطلب أعز ما يُطلب وتسلك مسالك "الرجال" .

عانى الرجل ولازال من الظلم والحيف والاشاعة نتيجة رأي سياسي واجتهاد رآه رحمه الله ، الى جانب تربيته العالية وثباته الذي شهد به الخصم قبل الصديق ، خلاصا لأجيال رضعت الاستبداد وخنعت له وأمة سامها العذاب حكامها.

إمام لانه حامل لكتاب الله يؤم الناس صلاة بالمسجد ، كما أنه "إمام" بكل المعاني اللغوية والتربوية والاكاديمية والقيادية التي يمكن للمرء قراءتها في امهات الكتب والمعاجم بما سطره وبثه في مجالسه .

وقد اكون مجانبا للحياد ، الذي يجب ان يلتزم به المثقف حين يدلي برأيه في مقال رأي ،عندما تختلط المشاعر ويمتزج البوح بمحبة رجل له كبير فضل علي .

نعم ، أحببت الرجل ولازلت بل تعلقت به ، ورضعت ألبان مجالسه و مكتوباته وانا "مراهق" يافع أقرأها على أصدقائي فتغلبني عبرتي فأكتمها في جوفي صونا للأدب وخوفا من رياء قد تميل اليه النفس  .

و احبتته واهتممت بتفاصيل مجالسه وأشرطته وجمعتها بحرص شديد  ، كمحبة أحدكم الان لفريقه الرياضي المفضل  يتبعه في كل مدينة ويتنشق كل صغيرة وكبيرة عن لاعبيه وعن تفاصيله و أخباره ، فلا ينكره عليه أحد ، وكمحبة أحدكم لممثله البطل ، لفنان عصره ، لمعشوقه المغني ، كمحبة احدكم لوالديه ...

كمحبة "اليساري" لتشيغفاراوانجلز وماركس وعمر بنجلون رحم الله الجميع ، حين تحدثوا عن الخلاص الارضي للبروليتاريا أمام شجع الباطرونا و رأس المال .

وأعترف بالفضل ككل الذين لهم أستاذ درسهم او مرب أخذ بيدهم اول العهد وقال لهم من هنا "الطريق" ، كفضل ام على ابنها ، وفضل طبيب على مريض عالجه ودله على دائه "العضال والخطير"  ووصف له الدواء ...

رحمه الله واجزل له العطاء .

احاول أن أرد "ذرة" من جميل يلف عنقي ، شهادة تضيف "قطرة" في بحر من سبقوني بكلماتهم من علماء ومفكرين وفضلاء ومناضلين حين نظم مؤتمر دولي باسطنبول حول نظرية المنهاج النبوي التي أسس لها ووضع اولى لبناتها لتليها مؤتمرات وندوات .

واقول لصديقي المحاور ائتنيياصاحبي بمثله ، رجولته ،مواقفه،فكره ، أصالته ،وطنيته،موسوعيته ، شجاعته في الظلم ، صدقه ،وتجرده ، يوم قال "لا" مكتوبة مخطوطة في رسالة طبعت منها مئات النسخ للحسن الثاني آنذاك ، وما ادراك ما الحسن الثاني لمن عرفوه وخبروه عن قرب ...ثم بعدها رسالة القرن الى الحكام العرب ، ثم خص الملك الجديد للمغرب برسالة لمن يهمه الامر .

ائتني به ، وهيهات ، في الوقت الذي كثر فيه النكرات والامعاتو أصحاب المصالح ، أين الرجال في زمن "التفاوضيين" الذين يداهنون الفساد والاستبداد ؟

ثم مات الرجل على "الطلب" آخر عمره ، وكم عرضت عليه المغريات والمناصب .

أقول : "انه الشمعة التي كانت تحترق في كل "نَفَس" لتضيئ الامة والعالم بأسره"

"شمعة" أحرقها وهج الحب في الله وحب سيدنا رسول الله والشوق الى الله حتى جاء الاجل  ، أحرقها ذلك الهم الجهادي المزدوج ،  بنفسه و الهم الجماعي للامة ، فقال كلامهالاخير حين خاطب ابنته الكريمة مريم ياسين وهي تحكي في حفل الذكرى الأولى لوفاته رحمه الله في 14 دجنبر 2013 - :

( قال في بيت شعري على لسان أبي فراس الحمداني يواسيني في اخر حياته :

أبنيتي ، لا تجزعي ‍ كلُّ الأنامِ إلى ذهابِ

أبنيتي ، صبراً جميـ ـلاً للجَليلِ مِنَ المُصَاب!

- فعلا انه مصاب جليل ، قال ابو فراس كذلك :

قُولي إذَا نَادَيْتِني، و عييتِ عنْ ردِّ الجوابِ

زينُ الشبابِ ، " أبو فرا          سٍ، لمْ يُمَتَّعْ بِالشّبَابِ!

فذكر رحمه الله البيت وقال  أنت ،ماذا تقولين اذا عييت عن رد الجواب :

قولي ان والدي اشتاق الى الله عزو وجل فمن الله سبحانه عليه باللقاء وحقق له الرجاء وذلكم خير عزاء . )

ويشهد الله أنني كلما شاهدت وسمعت هاته الكلمات غلبتني الدمعة فلا املك لها دفعا او منعا ، واتحسر على عمر ضاع في التفاهات والسفساف وطرحت على نفسي من جديد ذات الطلب الذي قضى الرجل حياته بكل دقائقها يعالجه ويدعو له ، طلب وجه الله والسعي الى مرضاته .

واختم بأبيات شعرية كنت كتبتها بعد وفاته رحمه الله ،  لكنها لم تخرج الى النشر  ، على نهج ابن القيم رحمه الله حين كتب عن أستاذة الامام ابن تيمية رحمه الله معترفا وشاكرا.

قال ابن القيم رحمه الله :

حتى أتاح لي الإله بفضله *** من ليس تجزيه يدي ولساني

حبرٌ أتى من أرض حرّان فيا *** أهلا بمن قد جاء من حـران

فالله يجزيه الذي هو أهلُه *** من جنة المأوى مع الرضوان

وقلت ناسجا على المنوال :

واتاح لي ربي بفضله راشدا **********وجماعة العدل اليقين لشرعتي

نسب ونور فتوةمن كابر ************فهو الحبيب الخل جدد بليتي

سالت عيون ما وفت مترجلا ***********وارته تربة زودت من محنتي

ولدي فيهم لوعة لو بحتها ************فاضت بحور ساح غائر دمعتي

لو جئت عتبتهم ورمت سعادة *********لوجدت صدقا من شداه قصيدتي

عمري تصرم والطريق طويلة ********يارب أدركني قني من عثرتي

يا رب صل سلم على من جاءنا **********للجمع رحمات ولي والهفتي

ثم اللآل الغر الكرام تحققوا *********هم خير نسبة للحبيب وسيلتي

أرجو بهم أعطى غدا باليمين ******عفوا يزين كل ما بصحيفتي

والصحب قاموا لم يراءوا ودافعوا *****صبرا وفوا عهودا هم ذخيرتي

والاخوان من بعدهم استخلفوا ********وعدا يقينا تجدد بالصحبة

وجهة نظر ـ سمعنا من الحكومة ما تعلم ولا نعلم فهل تعلم أننا على علم بما لا تريدنا أن نعلم؟

عبد الغني موعكيس* ـ تاونات نيوز ـ استضاف برنامج مباشرة معكم في الحلقة الأخيرة، هذا الأسبوع، السيد محمد الوفا وزير الشؤون العامة والحكامة، لمناقشة موضوع رفع الحكومة الدعم نهائيا عن المحروقات، وذلك بإخراجها نهائيا من صندوق المقاصة، وتحريرها وإخضاعها لمنطق العرض والطلب.

ومن التعليلات التي ساقها السيد الوزير للدفاع عن هذا الإجراء الحكومي غير المسبوق في تاريخ صندوق المقاصة، أن الشريحة الاجتماعية الأكثر استفادة من دعم المحروقات، كما يفهم من كلامه، ليست من الفقراء ومحدودي الدخل ومن يدور في فلكهم، وإنما من الأغنياء والميسورين ورجال الأعمال والشركات والمقاولات، التي لا يعقل أن تنهك الدولة ميزانيتها من أجل دعمهم.

قد يبدو هذا الكلام منطقيا منذ الوهلة الأول، لكن تدقيق النظر فيه يكشف عن مفارقة عجيبة، يستحيل على علامة في الاقتصاد أن يجهلها، ويستحيل على حكومة كل همها مصلحة المواطنين، وبالضبط الفقراء ومحدودي الدخل والذين يعيشون تحت حافة الفقر، وتمتاز ببعد النظر، أن تمرر عليها.

فإذا كانت الفئات والشرائح الاجتماعية المستفيدة من دعم المحروقات تنقسم إلى قسمسن، فئات تستحق الدعم وتحتاج إليه، وفئات لا تستحقه، فإن الرؤية السديدة تتطلب اتخاذ إجراءات لاسترجاع الدعم ممن لا يستحقونه، وإبقائه لصالح من يستحقونه، بدلا من حرمان من يستحقون الدعم تحت ذريعة حماية أموال الدولة ممن ليسوا بحاجة للدعم.

لقد ساوت الحكومة في إجراءاتها التقشفية بين فئات غير متساوية في الإمكانات (الدخل ومستوى العيش...) باعترافها. فالحكومة، ولا أظنها لا تعي ذلك، تشبه في هذه الحالة أبا كان يساعد أبناءه  العاطلين عن العمل جميعا بمبلغ محدد من المال، ولكن حدث أن استطاع بعضهم الحصول على عمل، وتأمين دخل شهري يسد حاجياتهم، فقرر الأب حرمان جميع أبنائه، بمن فيهم الذين لم يحصوا بعد على عمل وعلى دخل، لأن الأبناء الذين حصلوا على عمل لم يعودوا بحاجة إلى المساعدة، ويا لها من عدالة لا عدالة فوقها.

سيقول الذين باتوا يعلمون ما لا نعلم، بعدما كانوا يجهلون باعترافهم قبل دخولهم للحكومة، لقد أكدت الإحصاءات والأرقام، أن مبالغ الدعم الذي يستفيد منه الفقراء ومن يجاورهم من محدودي الدخل، المحسوبين ظلما وعدوانا على الطبقة البرجوازية الصغرى والمتوسطة، هزيلة وضعيفة قياسا أو مقارنة مع حجم استفادة من لا يستحقون الاستفادة من دعم المحروقات، وقد يعتقد أن هذه حجة بليغة تشفع للحكومة قرارها.

تعلم الحكومة العليمة، أن دلالات الأرقام والإحصاءات، في مثل هذه الحالة، تتوقف على طبيعة القراءات، التي هي بدورها محكومة بالنوايا والتوجهات. فإذا كانت الحكومة قد رأت في هزالة استفادة المستضعفين اقتصاديا واجتماعيا من دعم المحروقات، أن رفع الدعم لن يكون له تأثير يذكر على عيشهم اليومي، فلتسأل نفسها أليس ضعف الاستفادة نتيجة حتمية لضعف الاستهلاك، وضعف الاستهلاك دليل على ضعف القدرة الاقتصادية؟ وأن ارتفاع نسبة استفادة بعض الفئات مرده إلى نسبة استهلاكها المرتفعة، بسبب قدراتها الاقتصادية المرتفعة؟ ألن يزداد وضع الفقراء وجيرانهم من محدودي الدخل هشاشة وضعفا بعد حرمانهم من دعم المحروقات؟ والخطير أن الثمن الذي سيؤديه أولئك سيمس متطلبات حياتهم الأساسية، في حين لن يتأثر الأغنياء لا من بعيد ولا من قريب في مستوى عيشهم، وستستمر نفقاتهم الباذخة، ولو تأثر مستوى تطور ثرواتهم؟.

وحتى لا نتهم بأننا لا نقدر المسؤولية الملقاة على الحكومة، أو أننا نمارس النقد فقط، أو أننا من العصاة والعاقين الذين لا شغل لهم إلا التآمر على الإصلاح، نقول أن الحكومة لم تكن تملك خيارا واحدا لإصلاح صندوق المقاصة، وترشيد نفقات الدعم، لكنها أغلقت الباب على نفسها، واختارت الحل الذي دافع عنه السيد محمد الوفا، في برنامج مباشرة معكم، لأسباب، وجب أن تعلمها لوحدها، ولا نعلمها نحن، حتى تستمر الغفلة/الجهل بين البائع والمشتري.

قد يقال لنا هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، وأرونا ما غاب عنا من الحلول إذا لم تكونوا من المتآمرين. لكن قبل أن نكشف  لهم الطريق السليم، ليس من باب الظن، ولكن من باب اليقين، دعوني أولا أقول، أن الذي عليه أن يقدم الاقتراحات والحلول المناسبة بالدرجة الأولى هي الحكومة، وليس المنتقدين والمختلفين معها، فلهذه الغاية انتخبت، وبها وعدت، ومن أجلها يتلقى أعضاؤها أجورهم وتعويضاتهم، وأي فشل في ذلك يعتبر عجزا وإخلالا بالالتزام الذي قطعته على نفسها.

سأبدأ اقتراحاتي بالتأكيد على أن أي إصلاح يجب أن ينطلق من مبدأ وغاية إقامة العدالة الاجتماعية، وتحقيق سعادة الإنسان، وليس من مبدأ الهواجس المالية المبالغ فيها، ومن مبدأ مراعاة مصلحة المجتمع على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وليس من منطلق المصالح السياسوية الضيقة. ولعل هذه الغايات والأهداف تتطلب من الحكومة أن تحمل كل طرف اجتماعي قدر إمكاناته، وهذا يعني أن تعمل الحكومة على استرجاع الدعم الذي تستفيد منه فئات ليست أهلا له، وأن تسعى إلى زيادة الدعم الموجه للفئات المعوزة، مع إبقاء الدعم الموجه لها، وهنا كان بإمكان الحكومة أن تقترح لإصلاح صندوق المقاصة ضريبة خاصة تطال المستفيدين بدون وجه حق، ولتسميها ما تشاء "ضريبة المقاصة، ضريبة الدعم..."، لكن الحكومة فضلت الخيار السهل الذي لا يلجأ إليه إلا المتضلعين والخبراء في مجال الاقتصاد.

من المؤكد لو قدر للحكومة، أو لأحد وزرائها، الاطلاع على هذا الاقتراح، ستتذرع بصعوبة الإجراءات وتعقيدات التنزيل التي سيتطلبها العمل بمثل هذه الاقتراحات (إحصاء المستفيدين بدون وجه حق من الشركات والمقاولات والأشخاص، تحديد مبالغ الاستفادة وضبطها، ضمان تحصيلها، فاعليتها في تخفيف العبء عن صندوق المقاصة وميزانية الدولة، ردود الفعل التي قد تصدر عن الفئات التي سيطالها الإجراء في حالة عدم تعميمه على الجميع...إلخ)، هذا إذا لم يتهم صاحبها بالخرف والسذاجة والسطحية والجهل التام، لكن من منا لا يعرف أن للعدالة الاجتماعية تكلفتها، وأن الحكومة وجدت لمواجهة الصعاب وتدليلها، لا للاختباء خلف القرارات السهلة والمكلفة اجتماعيا...إلخ.

في نهاية هذه الكلمة، يتضح بجلاء أن قرار الحكومة رفع الدعم عن المحروقات كليا، لم يكن بطريقة عادلة، وربما ستكون له تكلفة أو تكلفات لا أحد يستطيع توقعها، فالضغط حتما يولد الانفجار، كما يتضح أن الحكومة في هذا القرار، رغم ادعائها أنها تستهدف الطبقات والفئات الميسورة والأغنياء بهذا الإجراء، للظهور بمظهر حكومة الفقراء، إلا أنها في الحقيقة لم تأخذ بعين الاعتبار مصلحتهم لا من بعيد، ولا من قريب. وفي نفس الآن يتأكد أنها حكومة تفتقد للإبداع، وتكتفي بتنفيذ توصيات مؤسسات مالية، لا أحد يشك في أهدافها وغاياتها التي تتعارض ومصالح الشعوب، والتي أصبحت بقدرة قادر، حسب تصريح أحد وزراء الحكومة، ملاكا ومنقذا، بل وأصبحت لنا  وملكنا وليست علينا.

إن الحكومة تحاول بجهد جهيد إقناع المغاربة، خاصة منهم من سيتحملون القسط الأوفر من تكلفة قرارات الحكومة غير المحسوبة العواقب، أن رفع الدعم عن المحروقات لن يكون له أدنى تأثير سلبي على الاقتصاد المغربي، وعلى القدرة الشرائية للمغاربة، وعلى استقرارهم وتوازنهم الاقتصادي والاجتماعي، مهما كانت الفئة التي ينتمون إليها، وتدعي قدرتها على السيطرة على الأسعار وضبطها، لكن الواقع يؤكد نقيض ذلك، وقد عرفت تعريفات النقل وبعض المواد الغذائية زيادات مهولة و متتابعة منذ ميلاد الحكومة الحالية، دون أدنى تدخل منها، ثارة تحت ذريعة أن تلك المواد محررة، وأحيانا بمبرر أنها زيادات غير مشروعة، لكن الحكومة على غير علم بها، وأن المواطن يتحمل المسؤولية عن تلك الزيادات، وهذه من عجائب الدنيا التي لم نسمع عنها، فبدلا من القيام بواجبها، أو الإقرار بوجود الزيادات، تتمادى في النكران وتحميل المسؤولية للمواطن في تلك الزيادات، كما جاء على لسان بعض وزرائها، وتطالبه بالتوجه إلى القضاء، وإخبار الحكومة، و يالها من مزحة، عندما تلقي الدولة بمسؤولياتها على المواطن، وهي تعرف الإكراهات التي يتخبط فيها. طبعا هذا ناهيك عن أن الحكومة وهي تقدم على هذا الإجراء، مستغلة انخفاض أثمنة النفط ومشتقاته في العالم، لأسباب ظرفية، لم تضع في حساباتها الزيادات التي قد تحدث فجأة في أية لحظة نتيجة زوال أسباب انخفاض الأثمنة، أو نتيجة عوامل قد تستجد. وقد علل السيد الوفا محمد وزير الشؤون العامة والحكامة ذلك، بأننا أبناء اليوم، ولعل هذه واحدة من النظريات الاقتصادية التي أبدعتها هذه الحكومة، والتي قد تستفيد منها البلدان والشعوب التي تعيش نفس وضعيتنا الاقتصادية، فيسجل التاريخ لحكومتنا إنقاذها للاقتصاد الوطني، ولاقتصاد دول وشعوب أخرى، بإبداعاتها غير المسبوقة.

أخيرا أتساءل إذا كان الدعم الذي تسفيد منه الفئات التي تستحقه محدود وليس ذو تأثير يذكر على ميزانية الدولة، فلماذا لا تعمل الحكومة على إبقائه؟ وما موقع قرار رفع الدعم عن المحروقات كليا، بالصيغة التي تطرحها الحكومة، من البرنامج الانتخابي للحزب الذي يقود الحكومة؟ وما موقعه من التصريح الحكومي؟ ألم يكن حريا بالحكومة تقديم استقالتها بعدما اكتشفت أنها كانت تجهل وضعية البلاد الحقيقية، وأنها تعاقدت مع المواطنين على برنامج انتخابي مبني على الأوهام والأباطيل؟ بل ألم يكن من واجب الحكومة، وخاصة الحزب الذي يقودها، أن يقدم اعتذارا للمغاربة جميعا، ويعقد مؤتمرا استثنائيا، احتراما لمنخرطيه وقواعده، لمناقشة المستجدات التي اكتشفها بعد تحمله مسؤولية قيادة الحكومة، وإعادة تسطير برنامج مبني على الحقائق، وعرضه على المغاربة من جديد في أقرب انتخابات، طلبا لثقتهم؟ ما الفرق بين استغلال مؤسسات الدولة والقوانين (الاختصاصات والصلاحيات) وثقة الشعب (الأغلبية البرلمانية) لتمرير قرارات جائرة وتحقيق امتيازات مالية والحفاظ على أخرى (الاعتراض على الضريبة على المشتريات الباذخة، الاعتراض على الضريبة على الثروة، الزيادات المتتالية في أجور البرلمانيين،...)، باسم القانون، وبين السطو على أموال الشعب مباشرة؟ أليست الجريمة الأولى أبشع من الثانية؟ فإذا كانت الجريمة الثانية منصوص عليها، وعلى عقوبتها في القانون، فإن الجريمة الأولى أخطر لأنها سرقة باسم القانون، أي جريمة بدون ملامح، ولا يعاقب عليها القانون، لكن حذار فقد تعاقب عليها الشعوب.

* أستاذ ـ قرية با محمد

"أحمد المرزوقي" ابن حاضرة غفساي سجين تازممارت يعود لقضية التعويضات المالية وجبر الضرر المادي والحيف الذي طال فئة دون أخرى في مقاله "مواطنون مع وقف التنفيذ"

أحمد المرزوقي ـ تاونات نيوز ـ عندما كنا عظاما نخرة في قبور تزممارت، لم يكن ذكرنا يثار إلا عند أحد بعض جهابذة القمع حين كان يهاتفه المدير، المسمى قيد حياته القاضي، فيقول له بلغة مشفرة:

ـ مون جنرال، تهرست واحد كوكا (أي بمعنى، مات أحد السجناء)

فيجيب الجنرال بعد أن يعب الدخان مليا من سيجاره:

ـ رموا الشقوفة... (أي ألقوا بالجثمان في حفرة).

ثم يرجع إلى كلبه المدلل ليربت على شعره النظيف المعطر، وكأن شيئا لم يكن.

هكذا كنا إذن في نظر من كانوا مسؤولين على هذا الوطن، مخلوقات أحط شأنا من كلب زينة يشرب الماء المعدني، ويستحم في الجاكوزي، ويأكل في وجبة واحدة ما كنا نأكله نحن جميعا في أسبوع...وبطبيعة الحال، لما قامت الإدارة المغربية بإحصاء السكان، لم يستطع أحد من الموظفين أن يتخطى عتبة العنبر لسببين اثنين، أولهما أننا كنا كائنات مشوهة، أقرب إلى الموت منها إلى الحياة، تتواجد في بقعة ملعونة من الثلث الخالي المغربي، الداخل إليها مفقود والخارج منها موءود.

بمعنى أن الحكم علينا بالإعدام كان قد صدر عقب اجتماع قصير في غرفة مكيفة في الرباط الرسمي، وأن أمر تنفيذه وُكل إلى الزمن كي يكون العذاب أشد وأنكى وهو يدفع على شكل فواتير مقسطة بعدد دقائق الليل والنهار.

وثانيهما أن رائحتنا القوية الزاكمة، كانت قمينة بقتل شعب من الخنازير البرية والبحرية...

لأجل ذلك لم يطلنا إحصاء لأننا بكل بساطة، كنا في عداد الموتى...

ولما مكَر البشر ومكَر الله وهو خير الماكرين، خرج ما تبقى منا إلى الوجود كما يخرج الجمل من سَمّ الخياط، وهنا وقف فضول، شيخ الجلادين، الأستاذ المبرز الخبير في علم تحطيم الأرواح وطحن العقول والأكباد، فأفتى علينا وصاياه السبع:

1)إن سألوكم أين كنتم طوال كل هذا الوقت، فقولوا كنا معززين مكرمين في ثكنة عسكرية دأبنا فيها على حفظ القرآن والأحاديث النبوية الشريفة.

2) من "عميت له الزجاجة" وتكلم بغير ذلك فقد ثكلته أمه إن كانت قد بقيت له أم...

3) إياكم والصحفيين... فإن الصحفيين أعداء من لا أعداء له...

4) إياكم والمنظمات الحقوقية، فإنها تدعو دائما إلى الفتنة والضلال، وهي على عكس المخزن، جماعات مفيوزية لا تضمن لقاصدها حقا ولا ترد عنه ضيما.

4) إياكم أن تتحدثوا مع أقرب أقربائكم عن تزممارت... وإن فعلتم، فإن لنا آذانا حساسة تلتقط دبيب النمل في الليلة الظلماء، ولنا عيون ساهرة ترصد البعوضة إن تثاءبت والبقة عن عطست، ونحن بهذا سنعلم ما توسوس به أنفسكم وما ستصعد به وتهبط أنفاسكم، ويا ويل من حاد عن نهجنا القويم الذي لكم حددناه...

5) آمنوا كما نومن نحن بأن تزممارت لا توجد إلا في أوهام أعداء ديمقراطيتنا الرشيدة، وهي بالتالي غير موجودة في خريطة المغرب، ومن ادعى ذلك فهو كذاب أشر يستحق أن يرجع إليها بغير إبطاء...

6) كلوا واشربوا وتمتعوا بنعم الحياة، ولا تلتفتوا إلى الماضي أبدا، وإنما انظروا إلى المستقبل واستبشروا واضحكوا وتفاءلوا، فإن التفاؤل ينعش الروح ويقوي عضلات القلب.

7) إن التزمتم بما نوصيكم به، فسوف يغنيكم المخزن من فضله إن شاء.وإن بقيتم على ضلالكم القديم، فلقاؤنا معكم سيكون على متن مروحية أو على شفا جرف هار لنرميكم في قرار بحر عميق طعاما شهيا لحيتان مغربية أصيلة.

ألا هل بلغت؟... اللهم فاشهد...

ومرت الأحداث تباعا ووقع في ساحة المغرب ما وقع، وبقينا نحن ننتظر الذي يأتي والذي لا يأتي بعدما أخلف المخزن وعده وتركنا عبئا ثقيلا على أسر كانت ولا زالت تضمن لقمة يومها بالكاد.

ولما تبدل الحال غير الحال، وأصبح المغرب مضرب المثل في الخروقات السافرة لحقوق الإنسان، تحركت المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية بقوة ونجاعة، فما كان من المسؤولين إلا أن خفضوا الجناح على مضض، فكان ما كان من أمر صرف 5000 درهم كمبلغ شهري مؤقت.

وفي نهاية سنة 2000 قامت الدولة بتعويضنا عبر لجنة كانت بالنسبة لنا الخصم والحَكم، إذ فعلت ما شاءت حيث فكرت وقدرت لوحدها دون إشراك أي طرف من المدافعين عن الضحايا.

وذلك ما جعل التفاوت صارخا في بعض الأحيان بين أسيرين يتماثلان في الرتبة ومنطوق الحكم ونوعية الأمراض، هذا دون الخوض في مقارنة عبثية بيننا وبين الإخوان بوريكات الذين جاؤوا إلى المعتقل بخمس سنوات بعدنا، لكنهم عوضوا أكثر منا بعشرات المرات، لا لشيء سوى لأنهم يمتلكون الجنسية الفرنسية. وليس هذا بالغريب علينا بعد ما خبرناه من قضية رفيقنا الملازم الطويل الذي عُبئت في سنة 1983 قافلة طبية كاملة لإنقاذه من دوننا بسبب زواجه من سيدة أمريكية.

وما دمنا نتطرق هنا لوسخ الدنيا، فإننا نشير مؤكدين بأن مال الأرض كله لن يعوض شباب إنسان واحد، ناهيك عن أرواح العشرات الذين قُتلوا قتلا جاهليا بعدما نكّل بهم الجلادون تنكيلا مبرحا بُرمج على عدد دقائق العشرين سنة التي قضوها في جحيم الدنيا ذاك.

لهذا، مهما تبجح صياصية المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومن يوالونهم من المغرضين باستكثار التعويضات التي منحت لنا، فإنهم سيخجلون حتما إذا ما ذكرناهم أمام الملأ بأن ساعتين اثنتين من هز بطن المغنية شاكيرا في إحدى حفلات "موازين"، يعادل تعويض عشرين ضحية في تزممارت...

ألم تختل في المغرب الموازين بفضيحة "موازين"؟

فكم يحلو "للمناضلين القدامى" الذين كانوا بالأمس يملئون الأرض صراخا وتهريجا حول المبادئ والقيم، الدخول اليوم ب"شكاراتهم" المنتفخة إلى الأسواق المشبوهة دون أن يرف لهم جفن، للمضاربة في أرصدة الماضي ومقايضة كل قيمة إنسانية نبيلة بمال...

نحن أيها السادة، لم نتاجر بماضينا، ولم نفرض على الدولة أن تعطينا لا ملايير ولا ملايين كما يتهمنا بذلك البعض، وإنما طلبنا منها شيئا في حدود الحق والمنطق والمعقول، يتمثل في سكن لائق وتغطية صحية كاملة وتقاعد شهري يحفظ كرامتنا ويقينا شر السؤال.

فهل يسمى هذا ابتزازا؟ هل كان الأمر سيكون هكذا لو كنا في بلد ديمقراطي يحترم مواطنيه ويضحي بالغالي والنفيس للحفاظ على سمعته بين الشعوب؟

إن ما صرفه المسؤولون لنا باليد اليمنى، استرجعوه بعد عام باليد اليسرى بعدما حبسوا عنا ال5000 درهم التي قنعنا بها على هزالتها واعتبرناها تقاعدا.

وهكذا وجدنا أنفسنا ونحن في أرذل العمر، نبيع كل ما اقتنيناه لكي نسد به رمقنا ورمق أبنائنا، فذاب تدريجيا كل ما لدينا كما تذوب كويرة الثلج تحت لفح الشمس القائظة، وأرجعنا المخزن بذلك إلى نقطة الصفر، وكأنه لم يغفر لنا انفلاتنا من قمقم تزممارت، فآل على نفسه ألا يدعنا إلا ونحن مجاذيب نهيم على وجوهنا من وطأة الخصاص ونأكل خبزا حافيا بمرارة وطعم الدم والوحل والروث.

لقد كنا ساذجين حقا لما آمنا بسراب هيأة الإنصاف والمصالحة، وكنا بالأحرى أكبر المغفلين لما اعتقدنا أن مجيء شخص كان يُشهد له بالنقاء والصفاء وحسن الطوية

سيضع حدا حاسما لمعاناتنا الطويلة، لكن ما أن قضى منا وطره حتى قلب لنا ظهر المجن بعدما استحلى الأضواء المنافقة والكراسي الوثيرة والأجور الوفيرة.

وحين أتى من خلفه، أخذته العزة بالإثم، فتسامى وتعالى وتكبر وتجبر وتضاخم وانتفخ إلى أن أحدث فيه المخزن ثقبا مفاجئا فصغر وتضاءل وانقلب إلى حجمه الصغير ليرمى به بعد ذلك إلى مطرح المتلاشيات منديلا مثقوبا ملوثا بألوان الحسرة وأصباغ الندم.

ثم جاء تابعا التابعين وقد كان لهما قبل ذلك الأوان في الدفاع عن حقوق الإنسان رصيد، ولم نستبشر بمجيئهما خيرا قط، لأن الأيام علمتنا أن من يقفز بسرعة من خندق إلى آخر، يكون أشد قسوة وغلظة على أصدقائه القدامى من أي مسؤول ترعرع في حضن الإدارة وشرب لبنها حتى التخمة.

وكذلك كان، إذ ما لبثا أن سارا على نهج الأولين وأبانا عن مقدرة كبيرة في المراوغة وتوزيع الوعود الكاذبة، فأعطيا وهما في بداية مشوارهما السعيد، محاضرات مستفيضة حول فضائل التشاور والتواصل والحوار، وما أن استقامت لهما الأمور وبدت عليهما آثار الرفاهية والنعيم، حتى أعرضا بجنبيهما وصار الوصول إليهما يعسر مرة بعد أخرى إلى أن أصبح أمرا عزيز المنال.

وبعد سنتين من تعيينهما، تفتقت عبقريتهما العظيمة عن حل لم يتشاورا فيه بالطبع مع أحد، تمثل في قائمة اشتملت على 250 ضحية، جُمع فيها بين من حكموا بالسجن سنة وعشر وعشرين، فوضعوا كلهم على قدم المساواة كما يوضع الفجل واللفت والبطاطس والطماطم والقرع في سوق لبيع الخضر بالجملة، فقضوا بأن يُعطى لكل ضحية شقة من السكن الاقتصادي، هي بالأحرى علبة ضيقة حرجة ارتأوا أن تكون على شكل زنزانة تكمل فيها الضحية ما تبقى من عمرها كما بدأتها في زنزانة.

فقبل بها على هونها وما تنطوي عليه من تهكم واحتقار نفر، وزهد بها نفر آخر، وما أن بدءا في توزيعها حتى تعطلت عجلتهما ووقفا في مستهل الطريق شامتين متشفين ولسان حالهما يقول إمعانا في التنكيل والإهانة:

ـ حتى هذه لن تأخذوها إلا وأنتم تتوسلون وتزحفون على بطونكم كالحشرات ...

"هادا سلا، هادا حوانتو" كما يقول المثل العامي...

هذه هي حقوق الإنسان كما يتبجح بها المسؤولون ويطبلون لها ويزمرون فوق السطوح والشرفات وفي كل المحافل والمنتديات...

لقد أصبح جليا واضحا أن هيئة حقوق الإنسان وما سبقها من الهيئات واللجن، ما أنشئت إلا بفعل قوة الأحداث وشدة الإكراهات التي أرغمت السلطات على بسط الخد في انتظار مرور العاصفة. أما النية السياسية الصادقة لطي الملف بصفة نهائية فليست سوى سرابا يحسبه الظمآن ماء...

وهاهي ذي العاصفة قد أدبرت إلى حين رجوعها في يوم سيكون شره مستطيرا، وها هي ذي جحافل ماضي الرصاص قد عادت بخيلها ورجلها لتدك بحوافرها ما نتأ من الرؤوس المطالبة، ولتمسح بنقعها جميع المكاسب والإنجازات المتواضعة.

فلم يبق للتوصيات أثر، ولم يعد للإدماج خبر، وصارت وعود البحث عن هويات المغتالين وإنشاء المتاحف وتأهيل المناطق المتضررة بالقمع مجرد نكتة يقهقه لها المسؤولون في ردهات المجلس الموقر كلما أقيمت حفلة باذخة أو ندوة بائخة...

فطيبوا نفسا أيها "المناضلون" القدامى، وعِدونا بالعُلب، واشربوا على جثثنا النخب، واشمتوا فينا، وانعتونا بالمرتزقة، أنتم الذين لا ترتزقون،وامرأوا واهنأوا وتمتعوا إلى أن يأتي يوم ليس عنكم مصروفا...

وقولوا لرجال الإحصاء، لا تحصونا فنحن لم نعد من هذا الوطن، إذ أصبحنا أقرب إلى الأموات منا إلى الأحياء، وأرواحنا بفضل غلوكم وعسفكم وتواطئكم بقيت في تزممارت معلقة بين الأرض والسماء...

وشكرا جزيلا على نباهتكم وذكائكم ودهائكم وشطارتكم، وتيقنوا أن أرواح من راح ستبقى معلقة في رقابكم إلى يوم الدين..

التداعيات الاجتماعية الخطيرة لاستهداف الأطر التربوية وتشويه سمعة الأستاذ

علي العسري* ـ تاونات نيوز ـ بين الفينة والأخرى يتم تداول أخبار وأحداث ووقائع وفيديوهات تظهر الأطر التربوية في أوضاع أو سلوكات أو تصرفات غير لائقة تربويا أو انسانيا...، ورغم أن ما يتم تداوله يبقى مجرد أحداث معزولة، وإحصائيا لا قيمة له، مقارنة مع هذه الفئة الاجتماعية والمهنية العريضة، إلا أن تكراره والتركيز عليه قد يساهم في المزيد من خدش وتشويه صورة الاستاذ بالمجتمع، التي أصلا ليست على ما يرام، وليست كما كانت عليه من تبجيل وتوقير واحترام، ولئن كان بعض إخواننا وأساتذنا سامحهم وأصلحهم الله يساهمون في ذلك، حتى ولو من غير قصد، ببعض السلوكات غير الناضجة، التي تدفعهم إليها دفعا الظروف الصعبة التي يعيشونها ويشتغلون في ظلها، فإني سأظل أعتبر افتقاد الأستاذ والمربي لاحترامه واعتباره في المجتمع لا يقل بأسا وخطرا عن سلاح الدمار الشامل، فلا أمل ولا مستقبل لشعوب ومجتمعات لا يكون فيها الاستاذ سلطانا مبجلا، يحظى بأعلى مستويات الاحترام والتقدير؛ إن المجال فيه الكثير من الشرفاء الذين يحترقون كالشموع ليضيؤوا طرق غيرهم، وعلى هؤلاء يجب أن تسلط الأضواء، لرفع هممهم، وإعادة الاعتبار المفقود للإطار والمهنة معا، لا على سواهم، وإني شخصيا لأشرف بالعمل الجمعوي إلى جانب ثلة منهم، فمعظم من يشاركني العمل في الجمعيات الخمس التي أنشط فيها منهم، أرأس ثلاثة وأشغل مهمة أمين المال في اثنين، فأجد فيهم نعم السند والدعم في التطوع وحب الخير للناس والمجتمع، عكس كل الصور النمطية السيئة التي يحاول البعض تثبيتها، جهلا أو حقدا أو تنفيسا عن عقد ما، ولا أخفي أنه كان طموحي وأنا تلميذ وطالب أن أكون أستاذا، لأنال فضل هذه الرسالة النبيلة، ولأشرف بزمالة بعض الرجال والنساء المحترمين، وأنا في منتصف الأربعينات من عمري، وبعد أن انتقل معلم السنة الأولى والثانية للدار الآخرة، وفقدت أي اتصال بأستاذة القسم الثالث، وكان بودي أن ألتقي بها لأعتذر لها عن بعض التصرفات الطفولية الطائشة التي صدرت مني اتجاهها، بعد أن تجاوزت قسمها، لازالت أقابل أساتذة تعليمي الابتدائي باحترام كبير، لا أتحمل، حياء، طول النظر في وجوههم، وقد وفقني الله لتكريم اثنين منهم بإحدى جمعياتي، وسأعمل على تكريم كل من يسر الله لي ذلك، لا أنشغل اطلاقا باختلاف قناعاتي الحالية مع أحدهم، فيكفيهم أن لهم فضل علي، ولا فضل لي عليهم، فلولاهم ما كتبت ما تقرؤون، ولا فهمت ما تكتبون، ولا وصلت لما وصلت إليه، ومهما بلغت سيبقون أساتذتي، وأنا تلميذهم.

*مهندس دولة ممتاز بوزارة الداخلية (الجماعات الترابية)- فاعل جمعوي وسياسي ونقابي واعلامي

تاونات ـ مندوبية الصحة ومعاناة المواطنين

الطيب الشارف ـ تاونات نيوز ـ وقف العشرات من المرضى بالمركز الصحي بتاونات صبيحة يوم الثلاثاء 25 نونبر2014 ينتظرون دورهم للولوج الى قاعة الفحص، أطفال صغار حديثي الولادة قدموا اجل تلقي التلقيحات اللازمة والضرورية من اجل نمو صحي، نساء ينتظرن الكشف  ومتابعة حملهن والذي لا يتم في الغالب نظرا لعدم وجود فضاء خاص بالحوامل،مرضى بالعشرات كما توضح الصورة ينتظرون الفحص من طرف طبيبين.

مشاكل المركز الصحي بتاونات  ترجع بالأساس الى ضعف البينية التحتية للمركز وغياب الموارد البشرية  المؤهلة من اجل الاستجابة لحاجيات  المرضى القادمين من اماكن بعيدة،لانه ليس هناك ما يمنع اداريا من استقبال المرضى القادمين من الجماعات القريبة،فهل يفكر مندوب الصحة  في اصدار مذكرة تمنع تلقي العلاجات للمرضى القادمين من جماعات مجاورة؟؟حتى يضمن اتغال المراكز الصحية بالمراكز الجماعية بتاونات،فوجود طبيبين بمركز تاونات لا يلبي انتظارات المرضى.

مندوبية الصحة لم تحرك ساكنا حتى الان،في انتظار معجزة قد تقع تشفي المرضى الذين اصبحوا يقلقونها بتوافدهم الكثير على المركز،في حين يعيش فضاء  الشباب ما يسمى بالانتظارية.

اسئلة نوجهها الى مندوب الصحة بتوفير الموارد البشرية في انتظار ايجاد بنية تحتية بديلة،من اجل تنمية صحية مستدامة تراعي كرامة المواطنين.

 

مغرب الواجهة والمغرب العميق ـ تاونات نموذجا

أيوب الضافي ـ تاونات نيوز ـ المغرب مغربان للأسف مغرب الواجهة و المغرب العميق، المهمش، المقصي من عدد لا يستهان به من أبسط الحقوق و الخدمات. دعونا نتحدث قليلا عن بوادي وقرى المغرب العميق، ولنأخذ دواوير تاونات نموذجا، إنه مغرب قرى الهامش التي يحس فيها المواطن(ة) بالمعاناة الحقيقية لكونه مواطناً من الدرجة الثانية، مع أنه يقوم بجميع واجباته التي تنص عليها جميع قوانين بلده، فأين هو من الشعارات الجوفاء:تقريب الإدارة من المواطن، تيسير الولوج إلى الخدمات الاجتماعية، بما في ذلك التعليم و الشغل و الصحة...؟
إن هؤلاء، الذين يئنون يوميا جراء العزلة القاتلة التي تعيشها مناطقهم الخارجة عن التغطية، لا يطالبون إلا بأمور بسيطة جدا : الطريق، الماء، الكهرباء، المدرسة، المستوصف،... فهل هذه المطالب خياليةأمام ما يهدر من الملايير من المال العام في أمور تافهة تستحق استنهاض همم المسؤولين عن المحاسبة وعدم الافلات من العقاب أم أن هذه الشعارات فقط للاستهلاك وقد تكون مجرد  لكل مطالب بحقه المشروع.
في البوادي وقرى الهامش كل ما يتمناه المواطن هو رفع الظلم و القهر عنه، و محاسبة كل من ساهموا في تبذير أموال جماعته، اذ كان بإمكانه ربط مقر سكناه بطريق عوض مسلك يقهر
الدواب فما بالكم بأدميين، وكل ما يريده هو مساءلة من اغتنوا بالمال الحرام و ثروات باديته دون أن يتم إيقافهم و التحقيق معهم : من أين لكم هذا؟.
إن عصب الحياة في هذه المناطق النائيةهو الماء، فأين هو و كيف يتم الحصول عليه؟ ان كل ما يحتاجه المرء في هذه البقع هو وسائل النقل: فأين الطريق أولا؟ ان ما يحتاجه الإنسان في هذه البوادي هو وسائل الاتصال :فأين هو ؟ إن كل ما يحتاجه المواطن في هذه الأرياف هو الحكامة الرشيدة :لكن، أين المنتخبون؟ يظهرون فقط في الانتخابات ثم يختفون : إنهم جزء من هذه المأساة التي لا حدود لها.
أيها المنتخبون، أيتها الحكومة الموقرة، مغاربة المغرب العميق يخاطبونكم:( نحن مغاربة من كل الأعماق، نحب وطننا بكل اللغات، لا تتركوا اليأس يتسرب إلى ذواتنا، حاسبوا من سرق أموالنا وآمال شبابنا، نحن أذكياء ولسنا أغبياء، لا تستبلدونا... لاتستغفلونا!)


تاونات من براريك إلى فيلاج ومن 1979 إلى 2014 ـ شباب وشابات، رجال ونساء تاونات يستغيثون

عزيز بودبزة ـ تاونات نيوز ـ عبد العزيز بدبزة ـ تاونات نيوز ـ تاونات تحتاج إلى قرار سياسي واضح، وإلى إرادة حقيقية لتغيير المنكر "اللي كايمشي على يدو ورجلو". فتنتظر من ينقد مستقبل أبنائها. تاونات اليوم وضعية خاصة في المغرب، لا تريد من يبكي عليها أ و يتغنى بأمجادها. تاونات كانت عبر التاريخ مقاومة ومكافحة في وجه المستعمر الفرنسي والاسباني ، وأصبحت بعد الاستقلال منسية وهاهي اليوم مختبرا للفساد على مستوى التدبير والتسيير. تاونات تنتظر من يتعاقد معها من دون وسطاء ولا سماسرة ولا شناقة ولا فاسدين ومفسدين. تريد من يقدم لها برنامجا واقعيا في المجال الاقتصادي والفلاحي ولما لا الصناعي ، وفي مجال تعزيز وتوسيع البنيات الأساسية وتوفير الشغل وفي مجال السكن والتطبيب المميت و التعليم بدون جامعات .
تاونات لا تريد من يكذب عليها، ولا تريد من يمتص ما تبقى من دمها،.. تريد من يتصالح معها، تريد من يرجع لها ذاكرتها، تريد من ينفض الغبار عن تراثها ومناظرها الخلابة وثرواتها من التين والزيتون والخروب ووووو.
تاونات تريد تقسيم ترابي يقتل الزبونية في زمن الانتخابات، ويحاصر الشناقة في دوائر الفساد و المفسدين. المهم هذا هو أملنا وحلمنا، لكن الواقع شيء آخر ! شبابنا ضائع ومهمش
تاونات مدينة الشباب بامتياز، وشبابها على وعي كبير بما يجري ويدور في المدينة والجهة. لكنه يعيش بلا أمل، وفقد الثقة في السياسة والسياسيين وشعاراتهم. شباب منفتح و متفتح وله القدرة على العطاء إذا ما وجد ما ينصت إليه ومن يجعله قاطرة حقيقية للتنمية الجهوية.
النساء في وضعية هشة، نتيجة البطالة التي تطال رب الأسرة الأبناء، ويعانين من الفقر والحرمان وغياب السكن اللائق والتطبيب، كما يعانين من الأمية والاستبعاد الاجتماعي والعزلة الجغرافية.
هناك فئة واسعة كذلك من الساكنة في تاونات ، و هي فئة المسنين، المتقاعدين منهم والشيوخ الذين لا يعرفون معنى التقاعد، يشتغلون حتى الموت. للأسف مثل هذه الشرائح الاجتماعية، مغلوب على أمرها.
شبابها وشاباتها يطالبون بالزيـــــارة المـــلكية.
لغياب مشاريع تنموية التي من شأنها خلق فرص شغل لشباب ألِفَ الجلوس في المقاهي يندب حضه التعيس، ويرجع السبب، حسب البعض، إلى وجود المنطقة ضمن ما يسمونه "المغرب غير النافع" ، لكن بالنسبة لنا إقليم تاونات لم يعد ضمن خريطة المغرب غير النافع، ولكن باختصار إنها تحت إمارة إدارات غير نافعة.
البطالة، التهميش، الفقر، الهجرة… كلها هواجس تراود شباب المنطقة الذي استبد به اليأس علما أن غالبيتهم حاصل على شواهد جامعية وجد نفسه بدون عمل، لتبقى المقاهي ملاذه الوحيد لتسجية الوقت وقتله كما يقال ، لكن الذي يموت حقيقة هو الأمل والحلم بغد أفضل بعدما أفنوا عقودا من شبابهم في التحصيل العلمي أملا تطلعا منهم لحياة أفضل، لكن الواقع لا يرتفع بإقليم تاونات ! ادارات ميتة وبعيدة كل البعد عن هموم وتطلعات هذه الطاقات الضائعة، ما يدفعنا إلى الجزم بأن هؤلاء المسؤولون ليس لديهم ذرة من الغيرة على هذه المناطق التعيسة التي يدعون تمثيلها زورا وبهتانا.
كم سنكون سعداء و نحن نرحب بملكنا محمد السادس نصره الله في تاونات  المرة الثانية كم ستكون أرض التاوناتيين مباركة في استقبال الملك المنصور بالله محمد السادس، وهي التي أنجبت و احتضنت مقاومين أبرارا، قاوموا ودافعوا عن الوطن وراء ملوك الأسرة العلوية الشرفاء.

كم ستكون فرحة الساكنة وهي تستقبل جلالة الملك للمرة الثانية ، ، معبرة بذلك وهي التي تنادي جلالته المنصور بالله بـــ"ملكنا واحد محمد السادس" عن ولائها الدائم و الأبدي للأسرة العلوية الشريفة ،متمنية أن ترى و تستقبل جلالة الملك إنشاء الله .




"جريمة الصمت" بأوطاننا، من نحاكم ومن يدفع الثمن ؟

حفيظ زرزان ـ تاونات نيوز ـ أصبحنا نخشى من" الكلمة"، نعرف في كثير من الأحيان كل شيء ونصمت، وتخرس ألسنتنا عن البوح، لأن ضريبة الكلام معروفة ومحسومة.

من بلداننا من اشتهرت بينهم أمثال وأعراف كقولهم :"الحيطان لها آذان"، خوفا من "السلطان"  ،وحيكت القصص وتفنن أصحابها في الرواية الشعبية السهلة السريعة، الزائفة أحيانا، لبث الرعب وتخويف الناس حتى من" الفكرة" أن تزور مخيلتهم ، عملا بقولة أحد جبابرة العرب : "إني رأيت رؤوسا قد أينعت وحان قطافها ".

انتشر الخوف والجبن، فصار الصمت العاجز الأصل، وأصبح كل غيور صادق وطني متحدث بالحق، السلمي منه والجاد المسؤول ، الهادئ والهادف،  مشوشا أو فتانا أو عدميا في أحسن الأحوال ، بل ذهب بعض "خدمة" المعبد أن من هناك من يتاجر بمآسي الناس لتغليف "النضال"، فيصير بذلك معاديا للاستقرار مجافيا لنعمة "المنظر الأوحد " و"القائد الملهم" .

نعم سادتي الكرام إنها "الكلمة" التي نصبت من أجلها المشانق وامتلأت سجون منطقتنا العربية بصراخ أصحابها تحت ظلمات التعذيب والمعتقلات والانتهاكات ، فصرنا أضحوكة العالم في كل شيء ، وغابت عنا قيم الحرية والكرامة والعدالة ، وحل محلها الظلم والجور والطغيان .

فصرنا عبيدا لسادة العالم الذي يحشدون الدعم، يطورون ويصنعون ويحصدون النجاحات، ونحن في الخيبة والفشل غارقون.

وكلما ارتفعت أصوات المطالب أو استجدت رياح "التغيير" التي تهب ،عادت "الاسطوانة المشروخة"- كلمة مقتبسة  للدكتورعبد الواحد المتوكل من المغرب - والوعود والآمال إلى الواجهة وأطلت علينا خطب التلفزيون الرسمي ، أن الغد أحسن من الأمس وأن الأمور إلى تحسن وأن السنوات العجاف ذهبت إلى غير رجعة ، لكنها سرعان ما تتبدد على صخور الواقع المر الجامد الهامد ، لان كل محاولة إصلاح تلتهمها "الآلة الاستبدادية" التي تراكمت وتطورت وتغولت مع السنين ،وتجاوزت الأشخاص الذي إن سلمنا بنواياهم أو طيبوبتهم  والتي تحسن "الماكينة الإعلامية" تلميعها في كل وسائل السمعي البصري  ، تجرفهم البطانة والمكانة والحظوة في عالم ملئ بالإغراء والثراء والتحكم والتسلط ،فسرعان ما تتحول الإرادات الشابة أو الطاقات اليافعة إلى قطع غيار تضخ دماء جديدة في نظام شمولي عميق وبيئة نشأت على الفساد والاستبداد .

ثمن صمتنا وعجزنا ندفعه يوميا ونراه جميعا في إداراتنا ومستشفياتنا ومدارسنا، في خاصتنا ،حتى في أسرنا، إعلامنا وتربيتنا،في كل مبادرة أو محاولة "إصلاح من الداخل"، والويل لمن تجرأ على الكلام لأن التهم جاهزة ، والملفات المطبوخة جواب كل صوت خارج السرب مغرد ، وكما قال أحد العقلاء :" أنا ممنوع من التفكير وأخشى أن أحرك ذهني فتعصر الدولة دُهني ".

حتى الأنظمة الآن تؤدي الثمن بعد تفرخ التطرف والغلو على أيديها لما نعيشه من فقر وتهميش وبطالة وانتكاسات على جميع المستويات ولتضييقها على الحركات المجتمعية المعتدلة الحاملة لمشروع "الخير" ، وتفجر ذلك الغضب المكبوت في قلوب وصدور الكثيرين لأنه لم يجد التعليم المتطور الراقي الحداثي ولم تنتشلها يد الصحبة الحانية المحتضنة المؤطرة  ، ويتم تكريس  الاستمرارية في الالتواء على الواقع والبحث عن حلول ترقيعية ، لن تصمد أمام هذا الطوفان القادم لا محالة لشعوب أنهكتها البيئة الاجتماعية المتحولة والاستهلاكية الجارفة التي أفرغت الجيوب والعقول ، في عالم ومخاض يتطور ووقت لا يرحم ، ومطالب تتزايد ومعيشة تتعقد واقتصاد وعولمة تفتح كل شيء .

ولعل الأجيال القادمة إن هي كرست نفس الدور ، أن تجد نفسها على نفس الرحى تطحنها "سموم" الصمت القاتل أو الكلام المقيد المحدد،فلا تكاد تجد لها نفسا أو معنى، منخورة من دواخلها متنكرة لإنسانيتها المفطورة على حب العدل والحرية والكرامة الآدمية .

جمدت الطاقات وخارت القوى ويئس الناس من عدل طالما انتظروه ، بل انتشرت الذهنية الرعوية القاعدة التي تحلم بمن يفعل وهي  تتفرج خرساء ، وانتشرت الخرافية لقائد ملهم يأتي من السماء حاملا سيفه ليبدل الأرض عدلا بعد أن امتلات جورا .

إن الصمت جريمة نمارسها يوميا في حق بعضنا البعض ، نتبادل تحايا الود وربما المجاملة ونعلم حالنا أين وصل ، لكننا نتعايش بل ونطبع مع هذا الوضع القائم : ليس بالإمكان أحسن مما كان ، فالغالب بالسيف بيننا جبار ، يسجن وينفي ويقتل .

ثم ماذا بعد يا أخي ويا أختي ، نرى المظلوم يئن والمعدوم يمد اليد ، والشوارع تمتلئ عويلا وتسكعا وتشردا ، ثم نغض الطرف ، ماذا يعنيني وقد أكون مستقر الحال في نعيم مقيم ؟وما عساي وأنا المواطن البسيط أن أقول ؟

أنانية مستعلية وعادات جارفة  ،كلها أمراض نعانيها كما شخصها أحد رجالات هذه الأمة والذي اجتهد في المرض والعلاج ، و عانى نتيجة كلمته الحرة، واضطهد وسجن ووضع بمشفى المجانين بعد أن نصح وكتب ، ربما قد لا يعرفه كثيرون ، عاش لآخرته ومات من أجلها بعد أن اتهم انه يسعى إلى سلطة أو جاه أو مال ، وروجت حوله الإشاعة بأبشع صورها ،وكان ناصحا أمينا و لقوة كلماته وصدقها ،وجد "المحرضون" وبعض الحاقدين المستفيدين من وضعنا القائم المقيت ،  أنها "قاسية" أو زائدة الجرأة والجرعة ، في دنيا مليئة بالخداع والمكر والخبث والتملق المصلحي، الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله ،فنكلوا به وبرأيه الرزين والاستراتيجي .

رجل لم يأخذ حقه من التعريف ، في وسائل الإعلام الرسمية لمواقفه ،وبالقدر الذي أشرت فيه إلى الرجل  وان لم أوفه حقه ، فإيراد مثال أصيل عربي امازيغي ،كان بيننا ،عاش للمبدأ وللقضية بالتجرد الكامل وكرس حياته للإنسان ومظلوميته وحقه، ضروري لأجيال مغربة رضعت ألبان تشغيفارا وماركس وانجلز ولينين ، وليس ضيرا أو قدحا في هذه الشخصيات إلا أننا نروم ونحتاج نماذج ورجالات عصرية وطنية بين ظهرانينا ،وهم  في تكاثر والحمد لله .

هناك مناضلون فضلاء ليسو بالضرورة إسلاميين في العالم، رسموا أسماؤهم وخطوها ودفعوا ثمن "الكلمة" التي غيرت في كثير من الأحيان مجرى التاريخ، لهم مكانتهم في القلوب، وهناك" قائمون" في كل الأزمان تتجدد على أيديهم قضية الإنسان المقهور والمضطهد.

واكبر من هذا الجرم صمت النخبة ، عجز المثقف والأستاذ والإعلامي والرياضي، انخراط الجميع في الجوقة الرسمية  لتغدق عليهم المناصب والمكاسب ، أو منهم من حشروا أنفسهم في زاوية "حالهم"، حتى فنانونا أبوا إلا أن يجاروا الموجة والنغمة ، فتحولوا إلى مهرجين يمدحون "الأعتاب" وصوتا لمن يدفع أكثر في العلب الليلية وحانات "البذخ" فتركوا معاني "الفن" السامية وتحولوا إلى شيء آخر أعاف أن اسميه   ، ولا يعدو تغنيهم إلا تكرارا لنفس الموال ،لتفتح لهم قاعات العَرض والمسارح ، وهم صفوة المجتمع وحسه الراقي الذوقي والجمالي ، فآل حالهم لما نرى ونسمع ، كثيرون منهم لا يتوفر على قوت يومه أو مسكنا يؤويه ، بعد أن طواه النسيان ،ولم يؤسس لنفسه مشروع أو رسالة خير ينفق منه على نفسه بعد رحيله ، وفيهم الغني الذي  توفر على المال لكنه غير ذي قيمة  ، فإذا مات بئيسا فقيرا ، لا أقل أن يرحل بكرامة وشرف واعتزاز ويخلد نفسه في سماء الإبداع والوطنية والصدق لأنه حمل هموم جمهوره وقضية بلده وجعل من عمره خدمة للقيم الجمالية الأصيلة .

في أي محكمة وأي ملف يمكن أن ندرج هذه الجريمة النكراء، "الصمت"؟

لست أدعو إلى التهور أو الفوضى ولست في موقع القاضي كي أضع الأرقام وأصنف الناس وحسبي أن أساهم بقلمي وكلمي مبلغا عن "الرجال"مسمعا لأصواتهم  ، واني أبرأ من كل غلو وتطرف وعنف، وأؤكد على "الكلمة" المؤطرة والمنظمة التي تحمل عمقا تربويا ، الحبلى بكل القيم الإنسانية الجميلة ، أدعو إلى الحوار بكل مقتضياته تكريسا للنداء المتكرر واليد الممدودة الرحيمة الحكيمة ، لا طمعا في كرسي أو منصب زائل ، بل من اجل الإنسان ، ومن أجلنا جميعا ، من أجل أبنائنا ومستقبلنا المشترك ، من اجل وطن مستقر كريم ، من اجل مواطن حر محب لبلده مسالم مسئول وناضج  .

كلنا تجمعنا أرض واحدة، فلنتواصل على الأقل ، ونحن في زمن الثورة التكنولوجية والأنترنت، ولنفسح المجال، دعونا نتكلم، لا تلجموا "فكرتنا" السلمية الجادة والمسئولة القاصدة، فهل الرأي السياسي الصادق يزعج ؟

وهل الوطن الحبيب ليس فيه متسع للآخر المختلف الغيور والذي يرى الأشياء من زاوية أخرى ؟

حقنا جميعا في الكلام ليس منحة من أحد، تعلمنا الحرف في صغرنا لكي نكتبه ونقوله أصيلا وطنيا، نسطره وفاء وفداء لأرض حملتنا على ظهرها دون كلل أو ملل، فهل تستكثرون علينا أن نفصح عن أحلامنا وانتقاداتنا وآرائنا بشكل معلن ؟

حقنا في التعبير السلمي هو اليوم ضرورة وواجب لكي لاتغرق السفينة بالجميع حتى الذين تورطوا ولازالوا مصرين على إحراقها كاملة .

ولا يفوتني أن أقول لمن ينطق باطلا، "الصمت" في حقك واجب واستثناء، لا اقل عليك إن لم تستطع قول الحق أن لا تزف أو تمجد الظلم، أو تزينه بكل المساحيق الزائفة الزائلة.

فان كان ثمن "كلمة حق"الشهادة ، فالموت قدر لا ندفعه ، انه أجل آت ، شئنا أم أبينا ، ولكل منا أن ينظر ويبحث كيف ينسج لنفسه نسقا مشرفا وطريقا لاحبا واضحا .

وإلا فكلمة "جنازة رجل" لاتستثني أحدا أيا كان شأنه .

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله :" ما ينبغي لنا أن نسكت ويغتنم الأعداء سكوتنا ليتهمونا بالغموض والتخلف الفكري وينسبوا لنا ما شاءوا من تهم الإرهاب والتآمر. وما ينبغي لنا أن نخاف من تبعات الكلمة الصريحة المسئولة فإنما ذل المسلمون من غياب هذه الكلمة "

المزيد من المقالات...

------------------------ المواضيع والمقالات والردود ومقاطع الفيديو المنشورة لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع ولا تتحمل إزاءها تاونات نيوز أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية